عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
233
اللباب في علوم الكتاب
البدن والمال ] بعد البأساء والضّرّاء يدعو إلى الانقياد ، والاشتغال بالشّكر . وفي « مكان » وجهان : أظهرهما : أنّه مفعول به لا ظرف ، والمعنى : بدّلنا مكان الحال السّيّئة [ الحال الحسنة ] « 1 » ، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة ومكان السيّئة هو المتروك الذّاهب ، وهو الذي تصحبه « الباء » في مثل هذا التركيب لو قيل في نظيره : بدّلت زيدا بعمرو ، فزيد هو المأخوذ ، وعمرو المتروك ، وقد تقدّم تحقيق هذا في البقرة في موضعين : أولهما : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [ البقرة : 59 ] . والثاني : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ [ البقرة : 211 ] . ف « مكان » و « الحسنة » مفعولان إلّا أن أحدهما وصل إليه الفعل بنفسه [ وهو « الحسنة » ] « 2 » ، والآخر بحذف حرف الجرّ وهو « مكان » . والثاني : أنّه منصوب على الظّرف ، والتّقدير : « ثمّ بدّلنا [ في ] مكان السّيّئة الحسنة » إلا أنّ هذا ينبغي أن يردّ ؛ لأن « بدّل » لا بدّ له من مفعولين أحدهما على إسقاط الباء . والمراد بالحسنة والسيّئة هاهنا : الشّدّة والرّخاء . قال أهل اللّغة : « السّيّئة : كلّ ما يسوء صاحبه ، والحسنة : كل ما استحسنه الطّبع والعقل » . قوله : « حتّى عفوا » « حتّى » هنا غائية ، وتقدير من قدّرها ب « إلى » فإنّما يريد تفسير المعنى لا الإعراب ؛ لأن حتّى الجارّة لا تباشر إلّا المضارع المنصوب بإضمار « أن » ؛ لأنها في التّقدير داخلة على المصدر المنسبك منها ، ومن الفعل ، [ وأمّا الماضي ] فلا يطّرد حذف « أن » معه ، فلا يقدّر معه أنّها حرف جرّ داخلة على أن المصدريّة ، أي : حتّى أن عفوا ، وهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول أبي البقاء : « حتّى عفوا أي : إلى أن عفوا » . ومعنى « عفوا » هنا كثروا من عفا الشعر إذا كثر ، ومنه : « وأعفوا اللّحى » « 3 » يقال : عفاه ، وأعفاه ثلاثيا ورباعيّا ؛ قال زهير : [ الوافر ] 2530 - أذلك أم أقبّ البطن جأب * عليه من عقيقته عفاء « 4 » وفي الحديث : « إذا عفا الوبر وبرأ الدّبر فقد حلّت العمرة لمن اعتمر » ؛ وأنشد الزّمخشريّ على ذلك قول الحطيئة : [ الطويل ]
--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) سقط من أ . ( 3 ) أخرج البخاري ( 10 / 351 ) كتاب اللباس : باب إعفاء اللحى حديث ( 5893 ) ومسلم ( 1 / 222 ) كتاب الطهارة : باب خصال الفطرة حديث ( 52 / 259 ) من حديث ابن عمر . ( 4 ) البيت ينظر : ديوانه 65 وشرح الديوان لثعلب 59 ، واللسان ( عفا ) ، الدر المصون 3 / 307 ويروى صدره : « أذلك أم شتيم الوجه جأب »